مع كل حديث عن تعديل وزاري أو تشكيل حكومة جديدة، يعود اسم الدكتور مصطفى مدبولي إلى صدارة المشهد السياسي بوصفه الخيار الأكثر ترجيحًا للاستمرار في رئاسة الحكومة، وهو أمر لا يأتي من فراغ، ولا يرتبط فقط بكونه رئيس الوزراء الحالي، بل يستند إلى مجموعة من الاعتبارات السياسية والاقتصادية والتنفيذية التي تجعل بقاءه خيارًا منطقيًا في هذه المرحلة الدقيقة.
أول هذه الاعتبارات هو عامل التوقيت. فالدولة المصرية تمر بمرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها التحديات الاقتصادية مع المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة. وفي مثل هذه الظروف، تميل القيادة السياسية إلى تفضيل الاستقرار التنفيذي، وتجنب المغامرة بتغيير رأس السلطة التنفيذية، لما قد يترتب على ذلك من إرباك إداري أو تباطؤ في اتخاذ القرار. ومن هنا، تبدو الاستمرارية المدروسة أكثر ملاءمة من التغيير الجذري.
ثانيًا، يمتلك مصطفى مدبولي رصيدًا كبيرًا من الخبرة التنفيذية والتخطيطية. فالرجل لم يأتِ من خلفية سياسية تقليدية، بل من مدرسة التخطيط العمراني والإدارة التنفيذية. وقبل توليه رئاسة الحكومة، لعب أدوارًا محورية في ملفات قومية كبرى، على رأسها مشروعات التنمية العمرانية، والعاصمة الإدارية الجديدة، وتطوير البنية التحتية. هذا السجل جعله أحد أكثر المسؤولين دراية بتفاصيل الدولة ومشروعاتها طويلة المدى.

ثالثًا، يحظى مدبولي بدرجة واضحة من الثقة السياسية، فالرئيس عبد الفتاح السيسي، في أوقات الأزمات، يميل إلى الاعتماد على من يمتلكون الخبرة والقدرة على العمل تحت ضغط، لا على الوجوه الجديدة التي تحتاج إلى وقت لاكتساب الفهم الكامل لتعقيدات المشهد. وخلال السنوات الماضية، أدار مدبولي الحكومة في ظروف استثنائية، من جائحة كورونا إلى تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بتحديات اقتصادية عالمية غير مسبوقة، دون حدوث فراغ أو ارتباك مؤسسي.
رابعًا، يتميز أسلوب مدبولي بالميل إلى الإدارة الهادئة والابتعاد عن الصدام السياسي أو الإعلامي، وهو نمط يتسق مع طبيعة المرحلة التي تتطلب العمل أكثر من الكلام، والإنجاز أكثر من الاستعراض الإعلامي، كما أن وجوده يوفر قدرًا من الطمأنينة لمؤسسات الدولة والأسواق، باعتباره وجهًا معروفًا يمكن التنبؤ بسياساته وتوجهاته.
وأخيرًا، فإن إعادة تكليفه، إن حدثت، لا تعني بالضرورة الجمود أو تجاهل الحاجة إلى التغيير، بل قد تأتي في إطار تجديد الدماء داخل الحكومة نفسها، مع الإبقاء على رئيس وزراء يمتلك الخبرة الكافية لقيادة هذا التجديد دون الإضرار باستقرار الدولة.
لكل هذه الأسباب، يبدو مصطفى مدبولي الأقرب لتشكيل الحكومة الجديدة، ليس باعتباره الخيار الأسهل، بل باعتباره الخيار الأكثر اتساقًا مع متطلبات المرحلة وحسابات الدولة في لحظة دقيقة من تاريخها، إعادة تكليف مدبولي لا يعني غياب البدائل، بل يعكس قناعة بأن الرجل ما زال قادرًا على إدارة المرحلة، بشرط أن تكون الحكومة الجديدة أكثر قربًا من المواطن، وأكثر قدرة على تحويل التحديات إلى فرص، إنه رهان محسوب على الاستقرار، في توقيت لا يحتمل المغامرة ووقت تحتاج فيه الدولة إلى قيادة تنفيذية لا تضل الطريق.
