
لم تكن الساعات القليلة الماضية في محافظة أسيوط مجرد وقت يمر، بل كانت فصلاً درامياً حزيناً اعتصر قلوب الجميع، بطله مستشار جليل وجد نفسه فجأة وحيداً يواجه أعتى اختبارات القدر. مأساة حقيقية بطلها المستشار عمرو رفعت، رئيس المحكمة الاقتصادية بأسيوط، الذي فقد والدته، ثم زوجته، ثم طفله، واحداً تلو الآخر في أقل من يوم واحد، ليتحول "طريق الجيش" الصحراوي إلى شاهد صامت على نهاية أسرة كانت تضج بالحياة.
"طريق الموت".. بداية الفاجعة
بدأت المأساة مساء الاثنين، عندما تلقت غرفة عمليات النجدة بلاغاً هز الأرجاء بانقلاب سيارة ملاكي بالقرب من بوابة أسيوط الشمالية. لم تكن سيارة عادية، بل كانت تحمل المستشار "عمرو" وأسرته الصغيرة. انقلبت السيارة وانقلبت معها حياة الأسرة رأساً على عقب.
انتقلت الأجهزة الأمنية وسيارات الإسعاف، ليتبين المشهد القاسي: الدكتورة سهى صلاح، الزوجة والأم، وعضو هيئة التدريس المحبوبة بكلية الآداب، فارقت الحياة فوراً متأثرة بجراحها، بينما الأب وطفلاه يصارعون الآلام وسط الحطام.
"ياسين" يلحق بوالدته.. صدمة المستشفى
نُقل المصابون إلى المستشفى وسط دعوات بأن يخفف الله المصاب، لكن القدر كان له كلمة أخرى. داخل غرفة العناية، كان الطفل "ياسين"، صاحب الـ 9 أعوام، يحاول التشبث بالحياة، لكن إصابته بـ "اشتباه ما بعد الارتجاج" كانت أقوى من جسده الغض، ليلفظ أنفاسه الأخيرة ويلحق بوالدته، تاركاً والده المستشار وشقيقه الثاني مصابين بجروح جسدية، وجروح نفسية لن تندمل أبداً.
مفارقة “توجع القلب”
لعل أقسى ما في هذه القصة، تلك التفصيلة التي كشفها المقربون من الأسرة، وهي أن المستشار عمرو رفعت كان يعيش بالفعل حالة حداد قبل وقوع الحادث؛ فقد توفيت والدته قبل الحادث بساعات قليلة. وبينما كان يستعد لتقبل العزاء في والدته، جاءه خبر رحيل شريكة عمره وفلذة كبده، ليصبح "مكلولاً" ثلاث مرات في يوم واحد، في اختبار يعجز الجبل عن تحمله.
الجامعة تنعى “زهرة الآداب”
الوسط الجامعي في أسيوط تحول إلى سرادق عزاء كبير. جامعة أسيوط، التي طالما شهدت أروقتها نشاط وحيوية الدكتورة الراحلة سهى صلاح، أصدرت نعياً مؤثراً، حيث عبر الزملاء والطلاب عن صدمتهم لرحيل "مدرس الأدب الإنجليزي" التي عُرفت بدماثة الخلق والتفاني، مؤكدين أن الفراغ الذي تركته لن يُملأ بسهولة.
الوداع الأخير.. جنازة مهيبة
وأسدل الستار على هذه المأساة ظهر اليوم الثلاثاء، في مشهد جنائزي مهيب بمسجد عمر مكرم بأسيوط. الآلاف من الأهالي، وزملاء القضاء، وأعضاء هيئة التدريس، احتشدوا لتشييع جثماني "الأم والابن" إلى مثواهما الأخير بمقابر العائلة.
كانت الدموع هي اللغة الوحيدة السائدة، ولسان حال الجميع يلهج بالدعاء للمستشار المصاب وابنه الناجي بالشفاء، وأن يلهمهم الله صبراً بحجم هذا الابتلاء العظيم الذي أبكى الحجر قبل البشر.


