لم يكن جيفري إبستين مجرد رجل أعمال ثري، بل كان رمزًا لكيف يمكن للمال والنفوذ أن يوفّر حصانة ضد العدالة، اسمه ارتبط بواحدة من أكبر قضايا الاستغلال الجنـ ـسي والفساد الأخلاقي في العصر الحديث، قضية هزّت ثقة العالم في النخب السياسية والاقتصادية، وطرحت سؤالًا خطيرًا: هل القانون يُطبق على الجميع.
من الغموض إلى القمة
بدأ إبستين حياته المهنية كمدرّس رياضيات، قبل أن ينتقل فجأة إلى عالم المال والاستثمار دون مسار واضح يبرر صعوده الصاروخي. وفي سنوات قليلة، أصبح مليارديرًا غامض المصدر، يمتلك قصورًا فاخرة في نيويورك وفلوريدا وجزيرة خاصة في جزر فيرجن الأمريكية. لكن الأهم من ثروته كان شبكة علاقاته: رؤساء دول، أمراء، رجال أعمال، علماء، ونجوم مجتمع.
إمبراطورية الاستغلال
كشفت التحقيقات أن إبستين أنشأ منظومة منظمة لاستغلال القاصرات جنـ ـسيًا، حيث كان يستدرج فتيات صغيرات تحت غطاء "جلسات تدليك"، ثم يُخضعهن للاعتداء، وفي بعض الحالات يُستخدمْن لاستقطاب ضحايا أخريات.
القضية لم تكن جريمة فردية فقط، بل نظامًا متكاملًا استمر لسنوات، مدعومًا بالصمت، والخوف، والتسويات القانونية.
الصفقة التي كشفت هشاشة العدالة
في عام 2008، أبرم إبستين صفقة قضائية مثيرة للجدل، حُكم عليه بموجبها بعقوبة مخففة بشكل صادم، سمحت له بقضاء معظم وقته خارج السجن. هذه الصفقة أصبحت لاحقًا مثالًا صارخًا على العدالة الانتقائية، وأثارت غضبًا واسعًا عندما كُشف عن تفاصيلها.

في 2019، أُعيد فتح الملف، وتم اعتقال إبستين بتهم الاتجار الجنـ ـسي بالقاصرات. بدا أن العدالة أخيرًا تقترب… إلى أن جاءت الصدمة.
موت يفتح ألف علامة استفهام
وُجد جيفري إبستين ميتًا في زنزانته بسجن فيدرالي، في حادثة أعلنت السلطات أنها انتحار، إلا أن ملابسات الوفاة، من تعطل الكاميرات، غياب الحراسة، والتناقضات الطبية، حوّلت موته إلى لغز عالمي، ورسّخت قناعة لدى كثيرين بأن الحقيقة دُفنت معه.
ما بعد إبستين
لم تنتهِ القصة بموته. بل بدأت مرحلة أخطر: من كانوا شركاءه؟ من استخدموا ضحاياه؟ ومن حماه طوال تلك السنوات؟، القضية كشفت هشاشة الأنظمة الرقابية في أكبر بلد في العالم، وخطورة تحالف المال مع السلطة، وأعادت تسليط الضوء على أصوات الضحايا التي طالما تم إسكاتها.
لم تتوقف تداعيات تسريبات فضائح إبستين عند الداخل الأمريكي، بل امتدت لتصيب جوهر ما يُعرف بـ"القوة الناعمة الغربية"، فكيف لدول تزعم التحضر وأنها ترفع راية حقوق الإنسان أن تتغاضى عن هذا الحجم من الجرائم؟ وكيف يمكن تصديق خطاب الحريات والعدالة، بينما تكشف الوقائع تورّط نخب تلك الدول نفسها في استغلال الأطـ ـفال والتستر على المعتدين؟.
القصة التي ترفض أن تموت
قضية إبستين ليست عن رجل واحد، بل عن نظام يسمح بالصمت مقابل النفوذ عن عالم يقدّم السمعة على الحقيقة، والاستقرار على العدالة، وربما لهذا السبب، كلما حاولوا دفن القصة عادت من جديد، أقوى، وأكثر إزعاجًا.
تسونامي إبستين لم ينته.. هو فقط ينتظر الوثيقة التالية أو الشهادة التي لم تُكسر بعد.
