حوادث

من يلعب مع أطفالنا؟ وكيف تتحول الألعاب الإلكترونية إلى وسيلة استدراج

أطفال خلف الشاشات… وجرائم لا ترى

01 فبراير 2026 02:21 م

حنان نبيل

أطفال خلف الشاشات… وجرائم لا ترى

في غرفهم، خلف الشاشات، وبسماعة صغيرة على الأذن، يجلس الأطفال يضحكون ويلعبون، يظنون أن ما يحدث مجرد لعبة عادية، أصوات وضحكات وأسماء مستعارة لا أكثر.

لا أحد منهم يتخيل أن خلف بعض هذه الأصوات قد يجلس شخص بالغ، يراقب ويخطط، ويتقن دور الطفل أكثر من الطفل نفسه.

لم يعد الخطر في الشارع فقط، ولم يعد يحتاج إلى باب مفتوح أو طريق مظلم.
الخطر اليوم يدخل البيوت عبر شاشة، ويتخفى في شكل لعبة، ويبدأ دائمًا بجملة مطمئنة: «ماتقلقش… أنا صاحبك… أنا جنبك».

من اللعب إلى الاستدراج

الألعاب الإلكترونية الجماعية لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت إلى مساحات مفتوحة للتواصل المباشر بين الأطفال وأشخاص لا يعرفون عنهم شيئًا.
دردشة صوتية، أسماء وهمية، وغياب شبه كامل للرقابة… بيئة مثالية للاستدراج.

في البداية يكون الحديث عاديًا: مستوى في اللعبة، فوز وخسارة، ضحك بريء.
ثم يتحول تدريجيًا إلى أسئلة شخصية، ثم إلى ثقة، ثم إلى تعلق.
هكذا تبدأ القصة… لعبة في الظاهر، وفخ في الخفاء.

التكنولوجيا في خدمة الخداع

الأخطر في هذا النوع من الجرائم أن الجناة لم يعودوا يعتمدون فقط على الكلام، بل على التكنولوجيا.
برامج تغيير الصوت وتقنيات الذكاء الاصطناعي جعلت من السهل على شخص بالغ أن يتحدث بصوت طفل أو مراهق دون إثارة أي شك.

الطفل يسمع صوتًا يشبهه فيطمئن له، ويشعر أنه يتحدث إلى شخص في مثل سنه، بينما الحقيقة أن هذا الصوت قد يكون مجرد قناع يخفي خلفه شخصًا أكبر سنًا وأكثر قدرة على التلاعب.

جرائم تبدأ بلعبة وتنتهي بكارثة

وقائع عديدة ضُبطت خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن بعض الجرائم الإلكترونية بدأت من داخل الألعاب، من استدراج وابتزاز إلى تهديدات وضغوط نفسية.
اللافت أن كثيرًا من الضحايا لم يدركوا حجم الخطر الحقيقي إلا بعد تدخل الأسرة أو الجهات المختصة.

وقائع حقيقية تؤكد خطورة الظاهرة

التحذير من مخاطر الألعاب الإلكترونية لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى وقائع حقيقية كشفتها الأجهزة الأمنية مؤخرًا.
ففي إحدى الوقائع، تم ضبط شخص عقب بلاغ من أسرة طفل أفادت بتعرض نجلها لمحاولات استدراج عبر إحدى الألعاب الإلكترونية الجماعية.

وبالفحص، تبين أن المتهم كان يستخدم حسابًا وهميًا ويتواصل مع الطفل عبر الدردشة الصوتية، مدعيًا أنه في نفس عمره، قبل أن يحاول الحصول على صور ومعلومات شخصية.

استدراج بصوت طفل

وفي واقعة أخرى، كشفت التحريات أن المتهم استخدم برنامجًا لتغيير صوته للتحدث مع عدد من الأطفال بصوت قريب من أعمارهم لكسب ثقتهم.
وأظهرت الفحوص الفنية اعتماده على تقنيات رقمية لإخفاء هويته، مستغلًا غياب الرقابة داخل غرف الدردشة الصوتية بالألعاب.

وأكدت التحريات أن التواصل بدأ في إطار اللعب قبل أن يتطور إلى محادثات خاصة وضغوط نفسية دفعت أحد الأطفال لإبلاغ أسرته بعد شعوره بالخوف.

من اللعبة إلى الابتزاز

كما رصدت الأجهزة الأمنية وقائع تحولت فيها الدردشة داخل الألعاب إلى وسيلة للابتزاز، بعد حصول الجناة على صور أو تسجيلات صوتية للأطفال، وتهديدهم بنشرها في حال عدم الاستجابة لمطالبهم.
وأوضحت التحقيقات أن بعض الضحايا التزموا الصمت لفترات طويلة خوفًا من الفضيحة، قبل أن تتدخل الأسر وتبلغ الجهات المختصة.

لماذا ينجح الاستدراج؟

يؤكد خبراء نفسيون أن الأطفال يمثلون الحلقة الأضعف في هذا النوع من الجرائم، بسبب الفضول، والحاجة للاهتمام، وسهولة الثقة بمن يتحدث بلغتهم أو يشبههم في الصوت والأسلوب.
الجاني يدرك ذلك جيدًا، ويبدأ دائمًا بدور الصديق، ثم الحامي، ثم الشخص الذي لا يمكن الاستغناء عنه.

دور الأسرة الغائب

كثير من أولياء الأمور يظنون أن وجود الطفل في غرفته يعني الأمان، وأن الخطر الحقيقي في الشارع فقط.
لكن الواقع يؤكد أن غياب المتابعة، وترك السماعات لفترات طويلة، وعدم السؤال عن هوية من يتحدث معهم الطفل، كلها عوامل تفتح الباب أمام هذا النوع من الجرائم.

المشكلة ليست في اللعبة نفسها، بل في ترك الطفل وحيدًا داخل عالم مفتوح دون توجيه.

الذكاء الاصطناعي… سلاح جديد للجريمة

ما يزيد الأمر خطورة هو دخول الذكاء الاصطناعي على خط الجرائم الإلكترونية.
تغيير الأصوات، تقليد اللهجات، وصناعة شخصيات وهمية كاملة، كلها أدوات باتت في متناول أي شخص.
وهنا لم يعد الخطر تقليديًا، بل أكثر تطورًا وصعوبة في الاكتشاف، خاصة لطفل لا يملك الخبرة الكافية للتمييز بين الحقيقي والمخادع.

متى نكتشف الخطر على طفلك؟

غالبًا ما تظهر العلامات متأخرة، مثل: انعزال مفاجئ، توتر غير مبرر، تعلق زائد بالألعاب، أو خوف من الحديث عما يجري على الإنترنت.
حينها تبدأ الأسرة في طرح الأسئلة، لكن بعد أن يكون الطفل قد دخل بالفعل دائرة ضغط نفسي.

رسالة توعية

هذا التحقيق لا يهدف إلى التخويف، بل إلى لفت الانتباه إلى أن العالم الرقمي، مع سرعة تطور التكنولوجيا، لم يعد مساحة آمنة بالكامل.
البراءة وحدها لا تكفي للحماية.

الحوار، والمتابعة، وبناء الثقة بين الطفل وأسرته، هي خط الدفاع الأول.

اللعب ليس دائمًا بريئًا

اللعبة قد تبدو بسيطة، والصوت قد يبدو مألوفًا، لكن خلف الشاشة قد يختبئ خطر لا يُرى.
وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، أصبح من الضروري أن يتطور الوعي بنفس السرعة.

فالطفل الذي يظن أنه يلعب، قد يكون في الحقيقة يقترب خطوة خطوة من فخ…
فخ يبدأ بالضحك، وقد ينتهي بندم لا يُحتمل.