تحول منتدى دافوس الاقتصادي، الذي عُقد الأسبوع الماضي، إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، في مشهد يعكس تدهورًا غير مسبوق في العلاقات الفرنسية الأمريكية، بعد سنوات من محاولات باريس بناء جسور التفاهم مع البيت الأبيض.
وألقى ماكرون خطابًا هجوميًا، يوم 20 يناير أمام قادة العالم في دافوس، منتقدًا الأساليب التي وصفها بـ"الوحشية" للرئيس الأمريكي، مؤكدًا تمسك أوروبا بالتعددية، وتحذيره من محاولات "إضعاف وإخضاع أوروبا" واحتقار السيادة الإقليمية.
وأشار الرئيس الفرنسي، الذي ظهر مرتديًا نظارات شمسية بسبب إصابة في عينه، إلى أن موقف ترامب بشأن فرض رسوم جمركية على من يعارض سيطرته على جرينلاند "غير مقبول".
رد أمريكي حاسم
لم يتأخر الرد الأمريكي، إذ سخر ترامب في اليوم التالي من مظهر ماكرون أمام قاعة مُكتظّة، متسائلًا بلهجة استهزائية "ماذا حدث للرئيس الفرنسي الذي يرتدي "نظاراته الجميلة" ويحاول الظهور بمظهر "الرجل الصلب"، وسط ضحكات الحضور؟"، بحسب ما نقلته "لوموند".
ولم يكتف ترامب بذلك، بل استخف بماكرون مجددًا، قائلًا إن "لا أحد يريده لأنه سيغادر قريبًا"، في إشارة لعدم قدرته على الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2027.
تاريخ من التقلبات والإهانات
رصدت الصحيفة الفرنسية مسار العلاقة المتقلبة بين الزعيمين منذ الولاية الأولى لترامب بين 2017 و2021، حين كان ماكرون من القلائل بين الزعماء الغربيين الذين حرصوا على التقارب معه، إلا أن هذا التقارب جاء بثمن باهظ من الإهانات والسخرية المتكررة.
وفي أبريل 2018، خلال زيارة دولة لواشنطن، نفض ترامب سترة ماكرون أمام الكاميرات بحجة إزالة قشرة مزعومة، قائلًا بنبرة أبوية ساخرة: "يجب أن نجعله مثاليًا، إنه مثالي".
وعندما وصف ماكرون حلف الناتو بـ"الموت الدماغي"، في حوار مع مجلة "ذي إيكونوميست" عام 2019، واعتبر أن أمريكا ترامب تبدو وكأنها "تدير ظهرها" لأوروبا، ردّ ترامب بغضب واصفًا نظيره الفرنسي بـ"المُهين"، ومعتبرًا تصريحاته "شريرة للغاية" تجاه دول الاتحاد الأوروبي، حسب ما رصدته "لوموند".
رغم ذلك، كانت العواصف تمر سريعًا، لتعود اللقاءات في البيت الأبيض والإليزيه وفرساي بمشاهد العناق والمصافحات القوية، في محاولات فرنسية مستمرة لإظهار علاقة ودية مع الرئيس الأمريكي، وهو ما وصفه وزير الخارجية الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان بـ"الدبلوماسية المُخزية".
فرنسا ترفض الخضوع
رصدت "لوموند" انقلابًا جذريًا في الموقف الفرنسي، إذ دعا ماكرون، من دافوس، نظراءه الأوروبيين إلى رفض ما وصفه بالاستفزازات الأمريكية، معلنًا: "نفضل الاحترام على المضايقة".
ودفع الرئيس الفرنسي شركاءه الأوروبيين نحو تفعيل أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي التابعة للاتحاد الأوروبي؛ للرد على تهديدات الرسوم الجمركية، وهي أداة تُوصَف بـ"القاذفة الصاروخية".
كما أعلن ماكرون رفضه المشاركة في "مجلس السلام" بشأن غزة؛ باعتباره محاولة لمنافسة الأمم المتحدة، بل وردَّت الرئاسة الفرنسية على ترامب، عبر منصة "إكس" يوم 21 يناير، مُكذِّبة ادعاءه في دافوس، قائلة إن "ماكرون رفع أسعار الأدوية بناء على أوامره"، ونشره لقطة شاشة غير مجاملة للرئيس الأمريكي.
علَّق دبلوماسي فرنسي لـ"لوموند"، بأن "ماكرون لم ينخدع أبدًا في ترامب، لكنه راهن بواقعية وانتهازية على القرب منه"، مضيفًا أن "تكلفة هذا القرب المبالغ فيه أصبحت باهظة داخليًا وخارجيًا، فبالأمس كان ترامب مخلوقًا غريبًا، أما اليوم فهو كاليجولا" في إشارة للإمبراطور الروماني المعروف بطغيانه.
وأشاد دو فيلبان بهذا التحول ووصفه بـ"الوعي"، وأكد في تغريدة على "إكس" يوم 21 يناير، أن "أوروبا تتسم غالبًا برفاهية التحفظ حين يتطلب التاريخ الوضوح".
وحذر قائلًا: "ما نعيشه تحول في الأسلوب والمنطق والنظام، وإذا استسلمنا له سنفقد جوهر ما يُميّز أوروبا، وهو علاقة حضارية بالسلطة، وأولوية القانون، وقوة محكومة بالحق".
أما فرانسوا هايسبورج، المستشار بالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، فقد لفت، في حديثه لـ"لوموند" إلى أن "ماكرون لم يعد مشدودًا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة"، معتبرًا أن فرنسا وأوروبا يمكنهما الاستفادة من مواجهة الرئيس الأمريكي، لأن "ترامب يعشق العنف لكنه يكره الحرب"، حسب وصف هايسبورج.
