الرياضة

من الانسحاب لمنصات التتويج ومن التهميش للعالمية.. إفريقيا تنتصر كرويا وسياسيا

19 يناير 2026 11:56 ص

سهيل الشامي

السنغال

حققت السنغال أمس بطولة أمم إفريقيا بسيناريو لا يخطر على بال أو عقل فمن الانسحاب لمنصات التتويج وكأنها تصوير لما يحدث مع البطولة ككل من تهميشها لجذبها كل أعين العالم 

إفريقيا المهمشة 

تُعامَل أمم إفريقيا كأنها خطأ في جدول كرة القدم العالمية، بطولة تُزاحم مصالح المركز المهيمن، وتُقام خارج إيقاع الرجل الذي يملك المال والصوت والصورة فتلعب بدون توقف دولي وفي وقت تُلعب فيه الدوريات الكبرى.

 ذلك المركز الذي اعتاد أن يقرر ما يستحق المتابعة وما يُدفع إلى الهامش، في استمرار مباشر لمنطق سياسي قديم يرى القارة السمراء مساحة للاستهلاك والتبعية بدون إبداع ولا مبادرة.

كأس أمم أفريقيا: منتخب السنغال بطل أفريقيا وتبخر حلم المغرب بالتتويج بعد 5  عقود إثر ضياع ركلة جزاء في الوقت القاتل - BBC News عربي
داخل هذا السياق تولد البطولة بطابعها الخاص، حيث لا تُحسم الأمور وفق ميزان القوة الظاهر، وحيث تتحول الضغوط إلى صرخة فرح بالبطولة، كما حدث في نسخة أمس التي حسمتها السنغال أمام المغرب.

 عندما بدا المشهد محسومًا لصالح المنتخب الأكثر استقرارًا فنيًا وتنظيميًا، قبل أن تنقلب اللحظة الأخيرة إلى اختبار ذهني خالص، فتنجح السنغال بقيادة ساديو ماني في إعادة تعريف المعنى الحقيقي للقيادة الجماعية وإعلاء المصلحة العامة ، وتنتزع اللقب من منطقة كان العقل البارد يراها خارج الحسابات، في صورة تلخص كيف تعمل الكرة الإفريقية خارج منطق السيطرة المسبقة وتحت معايير الروح الرياضية.

الكوت ديفوار كمعنى جديد 

الفكرة نفسها تتجلى بوضوح أشد في قصة كوت ديفوار، الدولة المستضيفة التي دخلت البطولة مثقلة بالنتائج السلبية والشك العام، ثم تحولت من رمز للارتباك إلى نموذج للتماسك، في مسار يوضح كيف يمكن للهزيمة المتكررة أن تُنتج وعيًا جديدًا، فبعد الهزيمة برباعية من غينيا وأصبحوا على شفا حفرة من الخروج ، يخرج التتويج بالبطولة كتعبير عن مجتمع كامل يعيد بناء ثقته بنفسه في مواجهة خطاب عالمي لا يرى في الفشل الإفريقي سوى تأكيد لصورة نمطية جاهزة.

كوت ديفوار تعود من مربع الموت لمنصة التتويج.. منتخب الأفيال بطلًا لأفريقيا  2023 بسيناريو درامي وتاريخي.. من أفضل توالت فى الدور الأول لحصد لقب الكان  بريمونتادا مثيرة على

نهائي 2015 برمزية مختلفة 

وتصل البطولة إلى ذروتها الرمزية حين تُحسم في نهائي 2015 عبر اثنتين وعشرين ركلة جزاء، لحظة طويلة بلا بطولات سريعة ولا حلول مختصرة، مواجهة أعصاب تكشف جوهر المسابقة، حيث لا مكان للترف التكتيكي ولا للهيمنة النفسية، فقط قدرة على البقاء واقفًا حتى النهاية، وهو درس يتكرر في تاريخ قارة اعتادت أن تُختبر وأن تصبر حتى تنال ما تريد.

أمم إفريقيا ليست مسابقة تبحث عن اعتراف، هي  تحدٍ مستمر لمنظومة ترى كرة القدم امتدادًا لنفوذها الثقافي والسياسي.

 بطولة تنتصر لأنها ترفض أن تُلعب بشروط غيرها، ولأنها تُجسد قارة تعلمت عبر التاريخ أن البقاء في الصدارة يبدأ من رفض الهامش.

القيمة أم الأحقية 

وفي كل مرة يُطرح فيها سؤال القيمة والأحقية، تعود أمم إفريقيا لتقدّم إجابة عملية، كبطولة لا تحتاج إلى مصادقة من مؤسسات الإعلام الكبرى ولا إلى مباركة العواصم التي اعتادت احتكار تعريف الجودة.

إفريقيا تُنتج معناها من داخلها، من صراع مفتوح مع التهميش، ومن كرة قدم ترفض أن تُختزل في أرقام أو تصنيفات، لتؤكد أن القارة السمراء لا تلعب من أجل أن تُشبه غيرها، وإنما من أجل أن تُثبت أن لها طريقًا خاصًا، وصوتًا مستقلًا، وانتصارًا يُصاغ خارج شروط المركز.