مع اقتراب دخول قرار الولايات المتحدة الانسحاب من منظمة الصحة العالمية حيز التنفيذ، تتصاعد التساؤلات داخل الأوساط الدولية حول تداعيات هذه الخطوة على مستقبل الأمن الصحي العالمي، ودور أكبر قوة اقتصادية في العالم في مواجهة الأوبئة والطوارئ الصحية العابرة للحدود.
قرار الانسحاب، الذي وقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فور عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، لا يعد مجرد خطوة إدارية، بل يمثل تحولًا سياسيًا وصحيًا قد يترك فراغًا مؤثرًا في منظومة التعاون الدولي، خاصة أن الولايات المتحدة تعد من أكبر الممولين والداعمين الفنيين لمنظمة الصحة العالمية على مدار عقود.
فراغ تمويلي وتأثير مباشر
أولى التداعيات المتوقعة تتمثل في الجانب المالي، إذ يشكل التمويل الأمريكي نسبة مؤثرة من ميزانية المنظمة، وفي ظل تحذيرات متكررة من تراجع المساعدات الدولية، قد يؤدي الانسحاب إلى تقليص برامج حيوية تتعلق بمكافحة الأمراض المعدية، ودعم النظم الصحية الهشة، والاستجابة السريعة لحالات الطوارئ، لا سيما في الدول النامية.
ويرى خبراء أن أي خفض في الموارد المالية سيؤثر على قدرة المنظمة على تنفيذ مهامها الأساسية، من مراقبة الأوبئة إلى تنسيق الاستجابات الدولية، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستعداد العالمي لأي جائحة مستقبلية.
الولايات المتحدة خارج دائرة التنسيق
على الجانب الآخر، لا يقتصر التأثير على المنظمة وحدها، بل يمتد إلى الولايات المتحدة نفسها. فخروج واشنطن من إطار منظمة الصحة العالمية يعني تراجع مشاركتها في شبكات الإنذار المبكر، وتبادل البيانات الوبائية، ووضع البروتوكولات الصحية الدولية، وهي أدوات أثبتت أهميتها خلال جائحة «كوفيد-19».
وتحذر المنظمة من أن غياب الولايات المتحدة عن منظومة التنسيق الصحي الدولي قد يجعلها أقل قدرة على الاستجابة السريعة للأخطار الصحية القادمة من خارج حدودها، في عالم تتسارع فيه حركة السفر وانتقال العدوى.
ارتدادات سياسية وصحية
سياسيًا، قد يفتح القرار الباب أمام قوى دولية أخرى لتعزيز نفوذها داخل المنظمة، وهو ما قد يعيد تشكيل موازين التأثير في السياسات الصحية العالمية، كما يخشى أن يشجع الانسحاب دولًا أخرى على اتخاذ خطوات مشابهة، بما يضعف مبدأ العمل متعدد الأطراف في مواجهة التحديات الصحية المشتركة.
صحيًا، يحذر مختصون من أن غياب التنسيق الدولي قد يؤدي إلى استجابات غير متكافئة للأوبئة، وازدواجية في الجهود، وتأخر في احتواء الأزمات، وهو ما يدفع ثمنه في النهاية المواطنون حول العالم.
هل الباب مغلق أم ما زال مواربًا؟
ورغم حدة المواقف، لا تزال منظمة الصحة العالمية تُبقي باب العودة مفتوحًا أمام واشنطن، مؤكدة أن دعوتها للولايات المتحدة لا تنطلق من اعتبارات مالية فقط، بل من قناعة بأن التضامن والتعاون الدولي هما خط الدفاع الأول في مواجهة «عدو مشترك» لا يعترف بالحدود، يطرح هذا القرار تساؤل: هل يمضي العالم نحو مرحلة جديدة من تفكك التعاون الصحي الدولي، أم تعيد الولايات المتحدة حساباتها تحت ضغط الواقع الصحي العالمي؟ الإجابة قد تتضح مع أول اختبار صحي كبير يواجه العالم في مرحلة ما بعد هذا الانسحاب.
