الإثنين 14 يونيو 2021
حالا
رئيس التحرير
محمود سعد الدين

30 سنة مغامرات في عرض البحر.. الريس محمد يخوض أخطر معركة مع «الجنية» الشريرة في البحيرة ويصطاد أشرس الأسماك بـ«التغفيل»: البحر أخد ناس ياما واللي يستهزأ بيه يموت.. ومش كل من رمى الشبك صياد

موقع بصراحة الإخباري

هناك في موقع فريد أقصى شمال مصر، حيث تعانق أمواج البحر المتوسط المتراقصة مياه فرع نهر النيل الغربي المتدفقة، ويلتقي المالح والعذب ويتمازجان سويًا دون تعدي هذا على ذاك، وتترسب الرمال السوداء اللامعة، تقبع قرية بحراوية مترامية الأطراف تدعى برج رشيد، تدين للجغرافيا التي شكلت ملامح شخصيتها بالكثير.

ولأن القرية تنعم ببحر ثروات ونهر خيرات، كان من غير المستغرب أن تترك هذه المياه الفضل الأكبر على أهلها، وتربطهم بها علاقة وطيدة، ويعملون بمهن وحرف تنتمي إليها، أهمها ركوب البحر، فمنذ قديم الأزل رست على شواطئ برج رشيد أحلام الصيادين، ومع أمواج مياهه خاضوا غمار صراع البحث عن أرزاقهم، فجادت عليهم الأعماق بما تحويه ولم تبخل.

«أول ما طلعت المالح كنت لسه طفل عندي 6 سنين، بتعلم من أبويا.. وفضلت أحس بالدوار 5 سنين، لغاية ما اتعودت، واتعلمت وشديت حيلي، وأديني نفعت نفسي وبقيت ريس مركب»، بكلمات بسيطة تحمل معاني المثابرة، استهل الصياد الأربعيني البرجاوي، محمد أحمد البراوي، المعروف بـ«الريس محمد الفل»، حديثه عن 30 سنة قضاها في غمار البحر.

أسرة محمد الفل، كانت تمتلك فلوكة صغيرة، ومع توسعهم في العمل استبدلوها بمركب خشبي أكبر، ومن ثم زادوا عليه باَخر مماثل، إلى أن باعوا المركبين الخشبيين، وصنعوا أخريين حديديين عند أشهر صانعي المراكب في مصر، يبلغ طول الواحد منهما 13 مترًا وعرضه 4.7 متر، ويصل ثمنه الاَن إلى مليون جنيه.

يقول الريس محمد لـ«بصراحة»: «المركبين واحد مكتوب باسمي، والتاني باسم محمود أخويا، لكن كله بتاع الوالد»، يصمت قليلا ويسترجع الزمن: «أما دخلت الجيش أحمد أخويا هوا اللي كان بيسرح مع والدي، وكان لسه عندنا المركب الصغير، وتعبنا لغاية ما كبرناه، وأما خرجت والدي كان عايز يكمل شغل، قلتله كفاية عليك شقى، وفعلًا بطل خالص من وقتها، ومامدش إيده في أي شغلانة، بس هوا الكل في الكل والكلمة كلمته».

وعن طريقة الصيد المتبعة، يشرح رجل البحر: «فيه كذا طريقة صيد عندنا، بس أنا اتعلمت رمية الغزل أو الشبك من وأنا صغير، وفيها بنرموا الشبك في الماية والسمك بيدخل فيه لما يبقى مش شايف أو لما يجري جامد، وإحنا بنكونوا على دراية تامة بالميعاد المناسب، فيه أيام بنشتغلوا في أي وقت، وأيام تانية بدري قبل طلوع الشمس، وساعات من المغرب للعشاء، أو لما القمر ينور».

يحوي البحر على مدى اتساعه، أشكالا وألوانا من الأسماك، هي بمثابة رزق يأتي في ميعاده للعالم بأغوار أعماقه، والماسك بزمام أسراره وتقلباته المزاجية، ولا يرفض الريس محمد، ما يكرمه به اليم: «بنشتغلوا على أنواع أسماك كتيرة زي السردين، والخنفوش، والبربون، والسيوف، والصواريخ، والفراخ، والنقط، والتونة، والمياس، والفاتورة، والشخرم، والمغازل، وغيرها وكل نوع له موسم، وأوقات الشبك بيلم قروش».

وبعد كل سرحة تغازل فيها الشباك الأمواج، يستريح مركب محمد الفل في النهر، وهو ينتظر سرحة جديدة، حين تعجل بموعدها يرنو ناحية البحر بنظرة محب، ويعبر إليه ويمخر عبابه، وما هي إلا ساعات قليلة تعدها أنفاس الصيادين حتى تتلألأ الأسماك داخل الشباك، لينتهي بها الأمر وتلقى مصيرها المحتوم فوق سقالات المعلم، ليبتاعها تجارًا أتوا من كل حدب وصوب.. هكذا الحال كل يوم.

ويتفق ريس المركب كل الاتفاق مع مقولة «بعد النوات الصياد في الهنا يبات»، إذ يوضح أن النوة تقرب أسراب الأسماك المهاجرة، وتوزعها في المياه العكرة التي تحجب رؤيتها، فيسهل صيدها في «العدلة» أي عندما يستقر البحر، و«كله بيرزق» -على حد تعبيره-، مشيرا إلى أن أيام النوة تعتبر فترة إجازة يرتاح خلالها ورجاله الـ9 ومركبة من العمل.

يحكي محمد، عن ساعات رعب وهلع عاشها في عرض البحر منذ قرابة 19 سنة: «زمان قبل التطور مكناش بنعرفوا ميعاد النوة، وفـ يوم نوة شديدة وعاصفة ترابية وقعت الفنار و100 نخلة، كنا راميين غزلنا كله في المالح، ووالدي صمم ننزلوا نجيبوه، وبعد ما جبناه مكناش شايفين قدامنا ولا عارفين رايحين فين، شُفنا الموت بعنينا، وبقينا نستشهدوا من الفجر للعصر، ونجينا بأعجوبة، ورجعنا لقينا البلد كلها مستنيانا»، ويزيد متأثرًا: «أهل البرج بعد كده سموها النوة اللي كان هيروح فيها أحمد الفل وأنفاره».

«الناس القديمة كان لهم خرافات كنا بنصدقوها»، يشير الصياد، إلى أساطير منسوجة حول البحر، قبل أن يروي: «مرة عمي سعيد قال لنا إن في جنية بتطلعنا وتدخلنا في البحور الكبيرة، وهييجي يوم وتقلب علينا وتغرقنا، وتاني يوم نزلنا البحر وكان هايج والموج العالي ضرب المركب ووقعني وأخدني في عزم الهلاك 3 ساعات، ولا حد عارف يوصلي ولا مركب عارفة تجيبني واستسلمت للموت، وقتها افتكرت كلام عمي».

ويستكمل منهمكًا: «أنقذوني بصعوبة شديدة وأخدوني على المركب وبطني مليانة ميه ورمل، واترميت على الغزل من التعب، وكان فيه سمك بطاطا رشق في جسمي ودخلنا الشط، وأنا مش حاسس بنفسي، بعدها رقدت في بيتنا شهر، والناس بتزورني، وبسأل أنا عايش ولا ميت!»، ثم يصمت ثوان معدودة، قبل أن يكمل: «البحر أخد ناس ياما، واللي يستهزأ بالبحر ممكن يموت».

وبسبب الغلاء، يعبر صياد المالح عن ضيقه، موضحا أن هناك ارتفاعًا جنونيًا في سعر الجاز والغزل، وأن دفع التأمينات والضرائب يكبدهم أموالًا كثيرة سنويًا، مطالبا بخفض سعر الجاز: «يا ريت الجاز يرخص شوية عشان نعرفوا نعيشوا»، معتبرًا أن غلوه هو المشكلة الكبرى لدى كل أصحاب المراكب في الوقت الراهن، خاصة الكبيرة منها.

وينهي: «البحر بالنسبالي الحياة كلها، بلدنا مفيش فيها غيره، ولو ما اشتغلتش فيه معرفش أكسب جنيه، بتمنى أكمل في الشغلانة ديه، وزي ما أبويا أخدها من جدودي وأنا استلمتها منه، أولادي يمسكوها مني ويكملوا فيها بعدي، ماهي دي سنة الحياة».

اقرأ أيضًا: انتهى السحور الأخير بصرخة استغاثة من أقصر مسحراتي بمصر.. محمد مآمن يعشق مهنة أجداده ويخشى المجهول.. يتمنى أن يرزقه الله بقزم مثله يرث طبلته.. ويعيش في قلق مع نهاية رمضان: أبويا رفض يبيعني وبحلم بوظيفة

Go to top of page